أهل السنة والجماعة

موقع أهل السنة والجماعة ومذاهبهم الفقهية والعقائدية والرد على من خالفهم

  نرحب بكم بمنتدى أهل السنة والجماعة ، نرجو منكم الإنضمام إلى هذا المنتدى المبارك ، هدفنا من هذا المنتدى النصيحة لأنفسنا ولغيرنا ولسائر المسلمين وغير المسلمين بالحكمة والموعظة الحسنة ، الدين النصيحة لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم .

    درس في (( الطاعة والمعصية )) للعلامة المحدث الشيخ / عمران بن أحمد بن عمران السيوطي الشاذلي المالكي - المتوفي في سنة 1956 م رحمه الله .

    شاطر

    حجة الحق

    عدد المساهمات : 51
    تاريخ التسجيل : 17/01/2010

    درس في (( الطاعة والمعصية )) للعلامة المحدث الشيخ / عمران بن أحمد بن عمران السيوطي الشاذلي المالكي - المتوفي في سنة 1956 م رحمه الله .

    مُساهمة  حجة الحق في الأحد يناير 17, 2010 10:20 am

    الإرشادات الإسلامية
    الدرس الثالث
    (فى الطاعة والمعصية)
    " إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى (74) وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ العُلَى (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَن تَزَكَّى (76) " (سورة طه) .
    لقد عرف العقل أنه لا أفظع ولا أشنع من معصية هذا الرب المحسن الكريم الذى مازالت إحساناته ومراحمه على هذا المخلوق منذ كان نطفة فى قرار الرحم يدبره إلى أن تحرك بشرا سويا فى بطن أمه وكيف كان يعامله حين أجرى نفسه فى هذا الضيق ، وكيف دبره مع أن الإنسان لو بقى ساعة واحدة فى غرفة فاسدة الهواء لمات اختناقا ، وكيف كان مدى هذا التدبير حتى صلح هذا الضيق لنفس هذا المخلوق فى هذا السجن الضيق وكيف أجرى غذاءه وأوصله إليه فى هذا الغيب الذى لا يعلم ما فيه وكيف حفظه من حرارة البطن وآلامه وأقذاره أن تعتدى عليه حتى خرج إلى فسيح هذه الحياة فى كفالة أبويه : أم حنانة تسهر لسهره وتمرض لمرضه ، وقد أجرى له الحكيم الخبير من حنانها ورحمتها التى أفعمت كل مشاعرها لبنا جاريا فى قنواته من هذا الثدى المدرار ، وليس ثمت إلا الدم فى هذه العروق ، وكيف أحالته قدرة القدير لبنا سائغا لهذا المحدث الذى لا سن له يقطع به الطعام ولا أمعاء تتحمل دون اللبن شيئا ، سبحانك خاب من عصاك وسبحانك خاب من كفر بك : " وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً (111)" (سورة طه) .
    بل وأب رحيم يذهب كل مذهب فى سبيل تنشئته وتربيته ، لا يدع طريقا إلا سلكها فى الحصول على ما يلزم حياة هذا الطفل الصغير وما يلزمه لراحة والدته من غذائها وكساء وفراش وما إلى ذلك من حاجات ماسات لحياته وحياتها وقد يستأجر نفسه لمن يستذله ولا يعرف كرامته ، وقد يطوى المهامة البعيدة والقفار الصعبة فى سبيل الحصول على دريهمات يسوقها لراحته وراحة أمه فوق ما يحمله قلبه وتكنه نفسه من راحمية وعطف وحنان عليه وعلى والدته ولهذا قرن الله طاعة الوالدين بطاعته تبارك وتعالى ، وأوجب على الولد برهما إذ يقول :
    " وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً (23) " (سورة الإسراء) .
    " وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً " (سورة النساء) .
    " وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً " (سورة الأحقاف) .
    وفى الآثار يقول الله تعالى : " من برنى وعق والديه كتبته عاقا ، ومن عقنى وبر والديه كتبته بارا " .
    ويقول رسول الله  : " الوالد أوسط أبواب الجنة فاحفظه إن شئت أو ضيعه " .
    وقال له بعض أصحابه : " أحب أن أغزو ، فقال : ألك أبوان ، قال : نعم ، قال : ففيهما فجاهد " .
    وقال للآخر لما أراد الغزو أيضا : " أحد أبويك حى ؟ ، قال : أمى ، فقال : إلزمها فإن الجنة عند رجلها " .
    إلى غير ذلك فانظر بعينك كيف حق الوالدين وكيف يكتب الله من بره أى عبده وأطاعه عاقا أى عاصيا إذا عق والديه ، حيث لم يشكرهما وقد أمره بطاعتهما إذ بعصيانهما يكون عاصيا لله ورسوله  بل وكيف كان الوالد أوسط أبواب الجنة وكيف كانت الجنة عند رجل الوالدة !! هذا حق المخلوق المنعم ، هذه جريمة من عصى عبدا له عنده صنيعة فكيف بمن عصى ربا ، صنائعه ونعمه مغموس فيها محاط بها ، تتوالى عليه فى كثرتها التى لا تحصى فى كل نفس ولمحة وطرفة يطرف بها أهل السماوات وأهل الأرض ، حتى إذا بلغ مبلغ الإنسان العاقل البصير القوى المفكر ، وقد دعاه هذا الرب المحسن إلى عبدى فأنا الذى ربيتك وأنت فى ظلمات الأحشاء ، وأنا الذى ربيتك وأنت فى المهد بين أبويك ، وأنا الذى ربيتك حين قمت مستقيما فى قدميك على سطح هذه الغبراء ، وأنا الذى ربيتك حتى أيفعت وحتى شببت ولا زالت نعمائى لو أمعنت نظرك وهى أجل أن تعدها أو تحصيها ، فما كان منه إلا أن حارب ربه بمخالفة شرعه وترك أمره وارتكاب معصيته وقد أرشده على لسان رسوله  إلى ما يوصله إلى شكره وطاعته ، وشرع له دينا يدين به إليه جعل له فيه السعادة والظفر بخيرى الدنيا والآخرة ، لقد صدق رسول الله  إذ يقول : " ليس شئ إلا وهو أطوع لله تعالى من ابن أدم " لعمرى إن الإنسان الكريم ليحفظ حق رجل سقاه مرة فى عمره جرعة ماء ، أو أطعمه لقمة أو صاحبه ساعة فى سفر وقالوا " الحر من لم ينس وداد لحظة " ، فكيف أجاز العقل عصيان هذا الرحيم الودود ؟ بل كيف أجاز الاجتراء عليه وتعدى حدوده ؟ إنها لعظيمة العظائم ، ولهذا أنزل كتابا " قَيِّماً لِّيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً (3) " (سورة الكهف) ألا وهى " وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) " (آل عمران) .
    كم بشر فيه من اتقى وآمن وعمل صالحا وخاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ، وكم ندد بالفاسقين وأنذرهم بطشه ونقمته وحذرهم يوم العرض عليه ، وكم ضرب لهم فيه الأمثال وكم ذكرهم بأيامه التى مضت مع الأمم قبلهم ممن كفروا وعصوا رسله وعرفهم كيف انتقم منهم وكيف أوقع بهم ، وكم شرح لهم وبين مصير أهل طاعته ووصف كرامتهم هنالك ونزلهم " وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ " (سورة الزخرف) وكم أعرب عن مصير أهل معصيته ووصف عقوبتهم وسوء عاقبتهم وأن لهم اللعنة ولهم سوء الدار وأن لهم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، فيا ليت شعرى بعد أن يسمع أو يقرأ العاقل هذه الآيات وتلك الآثار كيف تسول له نفسه أن يقارف هذه الموبقات وكيف ارتضى لها أن تكون وقودا لهذه النار التى وصفها لو واجهه عقل العاقل لتبدل ذهولا وجنونا ولقد جاء فى بعض الآثار أن الله تعالى يقول : "إن عبدى إذا أطاعنى رضيت عنه وإذا رضيت عنه باركت فيه وفى أثره وإن بركتى لا نهاية لها ، وإن عبدى إذا عصانى غضبت عليه وإذا غضبت عليه لعنته وإن لعنتى تبلغ السابع من ولده " فلينظر المؤمن أى عطاء وأى كرامة بعد أن يرضى رب العالمين على عبد أطاعه ، بل وأى فضل بعد أن يجعل البركة فيه أن يبارك فى عمره حيث يبلغ من العمر ما لم تبلغه الأعمار العديدة وقد يصطفيه الحق إماما للناس ويجعله سيدا مباركا حيث عرف مولاه وأطاع أمره : " فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونُ فِي الخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) " (سورة الأنبياء) فانظر هذه الآية واتلها على قلبك وكررها على روحك عساك تظفر بمكنونها فتوفق للعمل بما جاءت به ، بل اقرأ إن شئت قوله تعالى : "فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب " وكم فى القرآن من الإشادة بذكرى الطائعين وتنقيص شأن الفاسقين واقرأ إن شئت " يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً (85) وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً (86) " (سورة مريم) وافرق بين الوفد وفد الكرامة وما لهم وبين أولئك المجرمين الذين سيقوا إلى جهنم عطاشا فى مهانة وذلك ، أتدرى ما البركة فى أثره ؟ كل ما أضيف إليه فهو أثره من علم أو عمل أو مال أو ولد أو صحبة أو غير ذلك حتى قبورهم بعد وفاتهم وأرغم الله المتنطعين من حزب الرجيم من زعانف المارقين المنتسبين إلى السنة وهو أعداؤها ، أما العلم فها هى علوم الصالحين تدرس على مر الدهور على ضوء ذكراهم الطاهرة إلى أن يأتى أمر الله ، ويقال قال مالك ، قال الشافعى ، قال النعمان ، قال أحمد ، وكذا مخلصوا أتباعهم فى كل فن كما هو مشهود ويتخرج بعلومهم من شاء الله وكل على حسب ميراثه ، ولهم من الثواب ما لا ينقص من أجور أتباعهم شيئا ، وأما العمل فها هم السادة أهل الله فى كل طريق بورك فى أعمالهم فكانت من ورائها ثمرات التدانى مما أكرموا به ومما أفاض عليهم الحق من علوم الذات والصفات مما تقصر عنه البحار لو كانت مدادا والعوالم كاتبين ، حتى بورك فى أتباعهم وأتباع أتباعهم إلى أن يأتى أمر الله فلا يزال يسار على ضوئهم ولا زال الوجود تشع فيه أنوارهم وتلمع فيه شموسهم وأقمارهم إلى أن ينتهى الوجود كما فى الحديث الصحيح ، وأرغم الله أغمار المارقين من كل زنديق ملحد : " يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ (Cool " (سورة الصف) وأما المال فإن الله يبارك فى مال الولى الصالح حسا ومعنى ، أما فى الحس فإن القليل يربو حتى ما يكفى الفرد يكفى الجميع وبيقين إن درهم الصالح يربو عن آلاف الدنانير لغيره ، وكم نقل عنهم فى الطعام أنهم كانوا يطعمون الجم الغفير من طعام الثلاثة أو الاثنين مثلا ، ومن طالع تراجمهم رأى العجب ، واقرأ إن شئت قوله تعالى "وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً " (سورة الكهف) فإن الله حفظ الجدار والكنز الذى تحته وكان من ذهب للولدين اليتيمين ببركة أبيهما الصالح قيل وكان سابع جد للولدين ، وأما الولد فإن الله يرحم الرجل الصالح ويكرمه بصلاح ولده : " وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73) " (سورة الأنبياء) وقل أن لا يكرم الله صالحا فى أولاده : " وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ " (سورة الطور) وأما الصحبة فأمرها معروف محسوس فى أهل الظاهر والباطن ، وكم أكرم الله العلماء الصالحين والأولياء العارفين بالبركة فى أصحابهم ، وانظر فى تراجمهم سلفا وخلفا تر ما يبهر عقلك حتى قبورهم ، ولا عجب فإن الله قد نوه فى الأثر بالبركة فى الأثر وما زال الناس الآن يستشفون ويتبركون بقبور الصالحين وآثارهم وقد ذكر العلماء الأعلام أن الشافعى بعث إلى الإمام أحمد بن حنبل وكان تلميذه فأرسل له قميصه فغسله بماء مطلق ووضعه فى قارورات وكان يداوى بهذه الغسالة المرضى ، ومن المتواتر عن الصالحين كثير وكثير ولا ينكره إلا ملحد زنديق من أتباع الوهابية وأفراد الجهل ممن طبع الله على قلوبهم وعلى سمعهم وجعل على أبصارهم غشاوة وأضلهم الله على علم والعياذ بالله تعالى .
    وأما قوله تعالى فى الأثر : " وأن عبدى إذا عصانى غضبت عليه وإذا غضبت عليه لعنته وإن لعنتى تبلغ السابع من ولده " أعاذنا الله بمنه وكرمه وأولادنا وأحباءنا آمين .
    فهل تدرى ما مدى غضب الله ؟ ألم يبلغك قوله تعالى : " فَلَمَّا آسَفُونَا (أى أغضبونا) انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) " (سورة الزخرف) وجعلناهم سفلا مثلا للآخرين .
    " فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166) " (سورة الأعراف)
    " فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40) " (سورة العنكبوت)
    وهل تدرى ما هى اللعنة المرادة بقوله وإذا غضبت عليه لعنته واللعنة والعياذ بالله هى الطرد من رحمته ، وهل يدرى المستهين بالمعاصى الذى يقول إن لبس الذهب هين وإن دخول التياترو وشهود العورات فيه وفى السينما والتساهل فى شرب الخمر والنظر إلى وجوه الأجنبيات لا يخرج المرء عن الإسلام ، وهذه شبيبة العصر قد استهانت بدينها وانغمست فى مخالفة الواحد القهار وذهبوا إلى أن المرء متى رضى الإسلام دينا وقال لا إله إلا الله ، محمد رسول الله فلا عليه من ذلك كله ، فتوسعوا فى أمرهم : فحلقوا اللحى ولبسوا البرانط وتركوا الصلاة أو فرطوا فيها بإخراجها عن وقتها أو أو أو حتى نكحوا الأجنبيات (بالكنتراتو) أى الإيجار وفريق منهم يرافق امرأة جميلة على أنها خادمة وهذا كثير عندهم (خادمة سرير) " يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ " (سورة النساء) وما زالو وما زالو حتى لفوا النعال فى الجرائد وجلسوا فوق آيات القرآن يفترشونها ، أليس هذا مروق من الملة ؟ فأى غضب وأى سخط وأى حرمان بعد أن لا يخضع المسلم لسلطان الإسلام ! وما مدى هذه اللعنة وما حاله إذا تجرأ على هذه الجرائم ، وإليك جملة من أحاديث التهاون بالذنوب ، فقد قال  : " يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من الله طالبا "
    وقال " إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه "
    وقال إياكم ومحقرات الذنوب فأنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود وذا بعود حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم وأن محقرات الذنوب متى يأخذ بها صاحبها تهلكه .
    وقال " إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه "
    وقرأ ابن مسعود قوله تعالى : " وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ " (سورة فاطر) الآية ثم قال : " كاد الجعل يعذب فى جحره بذنب ابن أدم " وليس بعجيب أن الله قص علينا ما وقع لأولئك ممن أمطرهم حجارة من سجيل فأهلكهم وهم قوم لوط ، ولا من أخذهم بصيحة جبريل الطاغية وهم ثمود ، ولا من خسف بهم الأرض وهم قارون وقومه ، ولا من أغرقهم وهم فرعون وأهله ، وقد قص علينا ليعظنا ، ولكن من العبر الكبرى أن الله قال للصالحين : أنى أنعمت عليكم حيث لم آخذكم بذنوبهم ولم أطبع على قلوبكم فلا تسمعوا كلامى ولا تؤمنوا لرسولى بل كان من فضلى أن وفقتكم وفتحت قلوبكم لكلامى وفقتكم وتفضلت عليكم بنجاتكم من العذاب النازل بقومكم ، ولو أنزلته بكم معهم لا يعترض على لأنى لا معقب لحكمى ولا راد لأمرى ولا أسأل عما أفعل " أَوَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ (100) " (سورة الأعراف) .
    ولقد قال أهل التحقيق لا تستصغر حسنة فربما كانت سبب الرضى عليك ولا تحتقر سيئة فربما كانت سبب طردك والعياذ بالله ، فأدم تلقى من ربه كلمات فتاب عليه وإبليس قال " أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ " (سورة ص) فطرده من رحمته ، وإن المؤمن بين مخافتين أجل قد مضى لا يدرى ما الله صانع فيه وأجل قد بقى لا يدرى ما الله قاض فيه ، على أن العاقل لو نظر إلى ما أطلق على الطائع والعاصى من الأسماء والألقاب لكان له فى ذلك الموعظة والعبرة ، ولكان رادعا له أن يدخل فى زمرة العاصين بأية معصية كانت صغيرة أو كبيرة .
    وهل يرضى العاقل أن يكون مسترذلا ناقصا أو خبيثا ساقطا أو دنسا وسخا أو منحطا سافلا ، بدل أن يكون كاملا وطيبا عاليا ، وطاهرا نظيفا ومرتفعا شريفا .
    هذا شئ من الفرق بين الطائع والعاصى وأما ما له من الألقاب ، فمن أطاع الله فآمن وصلى الصلاة فى أوقاتها وزكى وصام وحج وعرف الطاعة فعكف عليها والمعصية فاجتنبها جملة فهذا الذى يقال له : الطائع – الصالح – المؤمن – المسلم – التقى – الولى – السعيد - المهدى – الموفق – المحبوب – المرضى عنه – المنيب – العارف بالله – الأواه – المخبت – المتبتل – العابد – الناسك – إلى غير ذلك ومن عصى الله فترك الصلاة ومنع الزكاة وترك الصيام ولم يحج ونظر إلى الطاعة فهجرها واحتقرها ، وإلى المعصية فوافقت رغبته ، فشرب الخمر أو زنى أو نظر إلى ما لا تحل له أو أكل حراما أو اغتاب إلى غير ذلك بحيث لا يصده عن المعصية خوف الله ولا إيمان يملأ قلبه ، فهذا الذى يقال له : الفاسق – المجرم – المفسد – الشقى – الملعون – المطرود – المغضوب عليه – المهجور – المكروه – الهالك – الخاسر – العاصى – المخذول – الجاهل بالله – المغرور – إلى غير ذلك من أوصاف الخاسرين ، والله يقول فى كتابه الكريم
    " أَفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) " (سورة القلم).
    " أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) " (سورة الجاثية) .
    " أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) " (سورة ص) .
    " أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ (18) " (سورة السجدة).
    ويا ليت شعرى أى موعظة تساق للمعرض عن الله بعد بيان الله وتنزيله وتفصيله وكلماته التامات المباركات التى هى طب الأرواح وشفاء الصدور ، "وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ (82) " (سورة الإسراء) . ماذا يقال لهذا ؟ لا يقال له ولا يقرأ عليه إلا قوله تعالى : " وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلاَ الظُّلُمَاتُ وَلاَ النُّورُ (20) وَلاَ الظِّلُّ وَلاَ الحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلاَ الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي القُبُورِ (22) " (سورة فاطر) .
    فمن هو الأعمى والبصير إلا الطائع والعاصى ، وما هى الظلمات والنور غلا المعاصى والإيمان ، وما هو الظل والحرور إلا ظل الطاعة وحرور المعصية ومن هم الأحياء إلا من حيوا بالإسلام والذكر والتوفيق ، ومن هم الأموات إلا من أماتت أرواحهم الغفلة عن الله ونسوا الله فأنساهم أنفسهم . ولقد كان أولئك الفسقة الأولون الصم البكم الذين لا يعقلون من الغفلة بحيث لم يفهموا عن الله ولا عن رسوله  كلمة واحدة وحاربوا الهدى وإذا سبقت لهم الشقاوة الأزلية وسبق علمه أنهم لا يهتدون . قال الله لحبيبه  : " وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي القُبُورِ " وهو  لا يدعو أهل القبور وإنما يدعو هؤلاء الكافرين ، وتالله لو لم تكن سابقة محتومة على من يسمع هذه الآيات وتلك العظات لعدل إلى الطريقة المثلى ، واقتفى نهج أولئك الأبرار الذين اصطفاهم الله للإسلام فأحيا بهم دينهم وأعز بهم رسوله  ورد بسيوفهم من شاء له السعادة ، ولا تزال هذه الأمة على وجوه العصور مستضيئة بأنوارهم ناهجة على آثارهم أولئك حماة الدين ما فرطوا فى هدى الرسول  بل تدارسوه وحفظوه ولقنوه أبناءهم وأزواجهم وأهليهم وجعلوا عدتهم فى وجوه الكافرين العمل بالشريعة المطهرة والعكوف على التقوى وحصنهم التوحيد الخالص فبهذا لا بغيره ، لا بمنطاد ولا طائرة دوخوا أسلاف هؤلاء الكفرة على كثرة عددهم وعددهم وأموالهم ، ويا ليت شعرى ما لنا نحن اليوم ونحن الكثرة التى لا تكاد تحصى لا نهاب بل أضعف عدو يرهبنا ويهيبنا وأصبحنا ألعوبة فى يد الكفور والقرآن يقول : " وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ " (سورة الروم) ويقص علينا أن الله أنزل لأسلافنا ملائكة تناضل عن المسلمين " إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى المَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12) " (سورة الأنفال) .
    أولسنا مؤمنين ؟ فلم لم تكن لنا الملائكة كما فعلت مع أسلافنا المؤمنين ، نحن مؤمنون ولسنا الذين آمنوا السابقين الذين ما عدلوا عن كتاب اله وسنة رسوله  فى مستحب فضلا عن سنة فضلا عن واجبات الدين وفرائضه التى لا يعبأ بها مسلم اليوم الماجن الخليع على دعوى الإيمان والإسلام ، ألا هل ينتبه المسلمون من هذه الغفلة ؟! وهل آن لهذه القلوب أن تخشع لذكر الله وما نزل من الحق ؟!
    " إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد "

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد أغسطس 19, 2018 4:01 pm