أهل السنة والجماعة

موقع أهل السنة والجماعة ومذاهبهم الفقهية والعقائدية والرد على من خالفهم

  نرحب بكم بمنتدى أهل السنة والجماعة ، نرجو منكم الإنضمام إلى هذا المنتدى المبارك ، هدفنا من هذا المنتدى النصيحة لأنفسنا ولغيرنا ولسائر المسلمين وغير المسلمين بالحكمة والموعظة الحسنة ، الدين النصيحة لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم .

    درس في (( في توجيه المؤمن لما يفوته من الخير )) للعلامة المحدث الشيخ / عمران بن أحمد بن عمران السيوطي الشاذلي المالكي

    شاطر

    حجة الحق

    عدد المساهمات : 51
    تاريخ التسجيل : 17/01/2010

    درس في (( في توجيه المؤمن لما يفوته من الخير )) للعلامة المحدث الشيخ / عمران بن أحمد بن عمران السيوطي الشاذلي المالكي

    مُساهمة  حجة الحق في الأحد يناير 17, 2010 10:46 am

    [size=18]
    الإرشادات الإسلامية
    الدرس الثامن فى توجيه المؤمن لما فاته من الخير
    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله الذى وسع كل شئ علما ، وعم إحسانه الغافلين عن ذكره كرما وحلما ، ولولا فضله وسبق رحمته لرجمهم بنقمته رجما ، سبحانه لا يعجل بالعقوبة على من عصاه أو ملأ الأرض ظلما ، وأشهد أن لا إله إلا الله أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، وأشهد أن سيدنا محمدا خير من قام لله جنح الظلام وهجع الغافلون ، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الذين رفعوا منار الهدى وهم لا يفترون ، صلاة وسلاما دائمين متلازمين ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون ، وبعد فهذه كلمة موجزة أقدمها لمن يريد أن يحظى بسعادة الدارين إن شاء الله أن يتخذ إلى ربه سبيلا ، إذ لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة فساقا وعدولا ، أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ، والمؤمن مهما قصر لا ييأس من التوفيق إذ لا يأس من رحمة ربه إلا القوم الكافرون ، بل من المفروض عليه أن يقف على باب مولاه طول عمره وإن وقع منه ما وقع فما ثم باب غير هذا الباب يقف عليه ، وقد قال بعض العارفين : لا تترك باب مولاك وإن طردك فإنك إن تركت هذه السدة لم تجد لقدميك قرارا ولا مقاما ، ولا معنى للسدة والباب إلا ذكر الله بأسمائه ، أو ركعات العبد وسجداته ، أو تلاوة كتابه ، أو النظر فى العلم النافع ، أو الجلوس مع العلماء العاملين أو الصالحين المقربين ، وإن يكن هؤلاء اليوم قلة حتى كادوا لا يهتدى إليهم الغلبة الفسق استبدال المؤمنين عوائدهم الشريفة بعوائد الكافرين .
    ففى حديث البخارى : " لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبرا وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه ، قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال : فمن ؟ " وفى رواية لو كان فيهم من ينكح أمه لكان فيكم من ينكح أمه ، ونحن نرى الناس اليوم بدأ عليهم الجنون وهم لا يشعرون ، إذ آثروا الحياة الدنيا على الآخرة , واستحبوا العمى على الهدى ، وهذا لا يحتاج إلى دليل لو صحبت العلم ونظرت لهم بعينه وأمر واحد مما فارقوا فيه الدين يحتاج إلى علاج يأتى بالمتاعب لمن قام به أو حاوله ، وإن أحقر ما يرى الناس اليوم مؤمن يعبد الله ويرجو الآخرة ويبكى على ذنوبه يعتزلهم جملة يخشى على دينهم منهم يفارق عوائدهم إلى عائد نبيه  ودينه محب للشريعة يرى الخروج عنها فى أكلة و شربة ونومة وراحته وبيعه و شرائه وكل أحواله هلاكا ، وأعظم الناس اليوم من جمع الأموال ولو من حرام ولو عرفوه أنه اقتناها من التلصص أو الربا أو الاحتيال أو الظلم والعدوان بشرط أن يترك دينه لا يعرف الصلاة ولا إله إلا الله محمد رسول الله ولا المساجد ولا يهتدى إلى صالح من الأمة ولا يذكره ، يرى العمامة عار والقبعة فخارا ، والسبحة بوارا ، والمنشة تذكارا ، ويتخذ القهوة دارا ذاك الذى يشار إليه بالبنان ، ويفخر به الخلان وهو المرفوع على هام الزمان ، لقد صدق رسول الله  حيث قال : " إن من أعلام الساعة وأشراطها أن يكون المؤمن فى القبيلة أذل من النقد " رواه الطبرانى عن ابن مسعود ، والنقد ولد الضآن الصغير وقد جاء فى رواية أن المؤمن يكون أذل من شاته ، وفى خرى أذل من الأمة ، وفى صحيح البخارى : " يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شغاف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن " .
    ألا وقد حصل كل ما كان يتوقعه حبيب الله  فبعد أن انقاد الناس لربهم ونظروا لى الدنيا بالعين التى نظر بها إليها الله ورسوله  فآثروا الآخرة الباقية عليها وجعلوا الأعمال الصالحة فيها الزاد إلى دار السلام واتخذوها قنطرة يعبرون منها إليها ، كان الليل الغائب المنتظر يفرحون بقدومه حيث يأنسون بمنجاة ربهم بتلاوة كتابه ومجالسته بذكره فطورا يفرشون وجوههم ، وأخرى يهجون بذكره وآوانة تسيل دموعهم على خدودهم خوفا من وعيده كل ذلك طلبا لمرضاته ولم يكن عندهم شئ أهم من طلب رضاء الله ورسوله  ، أما هذا الحطام فكان عندهم أقل من القليل ولو انقلبت جميعا جبالا ذهبا ما أعروها نظرا لعلمهم بزوالها وسرعة رحيلها وقصر آمادها ، لذلك كان التعظيم عندهم للدين فقط ، أما ترى ما قال أمير المؤمنين عمر : أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا "بلال" ، وهذا فى صحيح البخارى ، أكان هذا للمال أم للدين ؟ ونحن الآن لا نجعل السيادة إلا لمن كثر ماله أو ملك زمام أمر من الأمور وإن سرق أو زنى أو شرب الخمر أو خرج من الإسلام أو كان من الكافرين ما ذلك إلا لخروج الإيمان من القلوب وخرابها من معرفة الله ، ومعلوم أن الغفلة تفتح باب الأمل وتغلق باب العمل ، وتنسى فجأة الأجل لهذا عظمت المادة فى القلوب وأصبح زووها هم السادة والقادة وأهل الله سخرة الناس ولا عجب ، فمن ذا الذى سمع أن الحمامة تعيش بين الغربان أو أن العاقل يستريح بين المجانين ، أو أن الكريم يحترم بين السفهاء ، وها هم الظالمون وأبناؤهم فى أرغد عيش وأعلى رتبة ، ولقد تسرب هذا الداء الوبيل إلى كل المجتمع حتى طرق معاقل الفضيلة فلم يدع عالما إلا وقد ثمل بخمرته ، والدنيا خمر الشيطان وجماع الإثم ورأس كل خطيئة ، ولهذا أحل المارقون المبتوتة (أى المطلقة ثلاث طلاقات مرة واحدة) وأغروا العامة بالطلاق حيث لا يقع منه شئ على النساء إلا ما قصروا على أهوائهم ولعب من لعب بالشريعة والدين وكم لرسول الله  من معجزات وإطلاعات على الغيوب ، وفى الحديث أنه  قال : "حين ذكر علامات الساعة : إذ ركن علماؤكم إلى ولاتكم أحلوا لهم الحرام وأفتوهم بما يشتهون " رواه الديلمى فى الفردوس .
    هذا هو الإسلام اليوم الذى أصبح الكفر بأنواعه قاهرا له بعد أن كانت لهم السيادة على العالم أجمعه مع قلة العدة والعدد ، فلقد كان الغربيون وغيرهم إذا سمعوا ذكر عمر أو غيره من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام أو التابعين بإحسان كادت ملوكهم أن تحيض كما تحيض النساء ذعرا من قوة الإسلام وشدة بطشه وهم يرون أنه ما وقف منهم أحد أمام الإسلام إلا زال ملكه وأضحى جيشه طعمة الوحوش السباع .
    أتدرى كيف كان ذلك لهم وهم حفاة عراة جوع ، ولقد بلغنا أن سرية كانت قوتها فى الحرب التمر .
    للجندى تمرة واحدة فى اليوم يمصها كما يمص الصبى ثدى أمها ، وربما أعطاها إن مصها لحظة غيره حيث لم يجد .
    أهذا نصر الدين نصر تقوى أم نصر الطيارة والطياريين والقنبلة الذرية ؟ وأين كان اختراع أولئك القاصرين ؟ والله إن المخترعين اليوم والمتفنين من الغربيين حينذاك لو كانوا أمام أصحاب رسول الله  والتابعين بإحسان لكان النصر للمؤمنين : " وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ " (سورة آل عمران) فيا أيها المسلم هلا تستفيق من غفلتك هذه وتعلم حق العلم أنك فارقت الجادة واستهوتك الشياطين ومرقت إلى خسران الدنيا والآخرة . ذلك هو الخسران لمن يصدق الله ورسوله  حيث يفر من دينه ويدعى إلى الصلاة فإذا هو منطلق إلى كل أفاك أثيم من جلساء الغافلين الذين اعتكافهم لا يصح إلا فى دور الملاهى ، وتسبيحهم لا يكون إلا بالقولة وإخاؤهم لا يكون إلا لأولئك الذين زراءهم الله لجهنم لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون . أما أهل القرآن وحملة الشريعة وعباد الله الذين اصطفاهم لخدمته إن المتحابين فى الله وعامر المساجد والمستغفرين بالأسحار وأمثالهم من أهل الإسلام الذين الجلوس معهم رحمة الله وكرامته لعبده . بل هم رحمة الوجود وفى الحديث يقول الله تعالى : " إنى لأهم أهل الأرض عذابا فإذا نظرت إلى عمار بيوتى والمتحابين فى والمستغفرين بالأسحار صرفت عذابى عنهم " رواه البيهقى عن أنس ، فإذا كان الله بسببهم يصرف عذابه وغضبه عن أهل الأرض فكيف هم عنده ؟ وأنت إذا آمنت بذلك وعرفت أن ربك هو الفعال لما يريد وأنه على كل شئ قدير وهو القاهر فوق عباده وما كان الله ليعجزه من شئ وأن ما جاء به سيد الوجود محمد  حق ، وأنه بهذه الهداية وبهذا الدين ملك هو وأصحابه قوافى الملوك ودوخوا الممالك من غير اختراع ولا سلاح . آمنت تمام الإيمان أما الدين وحده هو الوسيلة لأحرزوا النصر فقط . بل هو الوسيلة لخير الدنيا والآخرة ، وإذا عرف العاقل ذلك شمر عن ساعد جده ليل نهار ليدخل فى الفريق الذين كتب الله فى قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار أولئك حزب الله ألا إن حز الله هم المفلحون فتراهم لا ينفك عن صلاة وصيام وذلك وصدقة وما إلى ذلك من قربة تلحق الخلف بالسلف نحن نعلم أن السلف الذين نشيد بذكرهم فى دروسنا ومواعظنا وفى صحفنا وعلى منابرنا وغى نوادينا ما كان لهم هذا الفضل لأن منهم لأولئك الذين استعبدوا خوانهم المسلمين وخرجوا عن آداب الدين كما نرى ، واتخذوا لأنفسهم سيادة مزعومة موهومة لأنهم يملكون من الأرض اقتطاعات درها كذا وكذا ولأنهم يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله . بل فى التطاول على أخوانهم وأقرانهم فى سبيل الشيطان فبشرهم بعذاب أليم والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين . فهلا أن للمسلم أن يرجع لدينه . وأن يستعد للموت قبل هجومه . وأن يفر من كل شاغل وقاطع وصاد عن سبيل الله . وأن يقدم صالحا ليوم تكون فيه الجبال كالعهن المنفوش ، وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات ويحشر المتقون إلى الرحمن وفدا ويساق المجرمون إلى جهنم وردا . يا أيها المسلم وأنت المصدق بالقرآن وتملك شدقيك فخرا إذا قيل أن رجال الغرب يعترفون بفضل القرآن وأصبحوا يترجمونه إلى لغاتهم . ألم يشيد الله بذكر المتقين فى هذا الكتاب الذى أجمع العالم حتى الكفار على فضله ، وهل يمكن أن تعد آيات المتقين والتقوى فى سهولة . وقد علق الله على التقوى من الفضل العاجل واجل ما أخبر به كتابه وحث عليها فى كتابه هذا وأمر بها الأوائل والأواخر وقال عز من قائل : " وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِياًّ حَمِيداً (131) " (سورة النساء) .
    وهى الغرض من خلق العبد ، " وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56)" (سورة الذاريات) ، وتالله لا يسود المؤمنين إلا بالتقوى ولن ينصروا إلا بالتقوى " إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ " (سورة محمد) ولم يبلغ المؤمن درجة القرب إلا بالتقوى ولن يغفر ذنبه إلا بالتقوى " إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ " (سورة الأنفال) وليست لذلك فحسب بل هى العامل الوحيد فى خلاص العبد من الشدائد وللفقير غنى وسعة " وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاًّ (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ " (سورة الطلاق) ، " احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك تعرف إلى الله فى الرخاء يعرفك فى الشدة " من حديث الترمذى .
    بل هى درع المؤمن وحصنه الحصين وأمانه من مكائد السوء فى الدنيا والآخرة ، وفى الحديث " ومن اتق الله عاش قويا وسار فى بلاده أمنا " رواه أبو نعيم فى الحلية عن على ، بل بها والله ناجى الإنسان الملائكة واخترق الغيوب ، وبها سخرت للمؤمن الأرض والسماء فإذا جلس على منصتها قل ما شئت ، تطوى الأرض أو يكلمه الجماد أو يمشى على الماء أو يطير فى الهواء أو يخاطب الأولين من الأصفياء فإن قال رأيت رسول الله  يقظة فقد صدق حيث غلبت روحانيته وروحانية ملكية وهى من عالم الملكوت فمتى دخل الإنسان الملكوت فهناك يجتمع بالأصفياء وكلم كل من شاء منهم يقظة فضلا عن النوم ومنكر ذلك جاهل بالدين والحجة عليه ظاهرة ، ألم يرى كيف صلى رسول الله  ليلة الإسراء بالأنبياء واجتمع بهم وهم قد ماتوا ، وحديثه فى الصحيحين وكيف رأى عمر ببصره وهو على المنبر جيشه بنهاوند ونادى سارية بن زنيم قائد الجيش ، أكان هذا مناما ؟ فإن لم يكفه ذلك فليقرأ عليها : فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء ، إذاً فما وقع على سيدى أبى الحسن الشاذلى من قوله : " والله لو حجب عنى رسول الله  طرفة عين ما عددت نفسى من المسلمين " وقد وقع ذلك لكثيرين من أفراد الأمة المباركة كالسيد أحمد أبى العباس المرسى خليفته ، وقد ذكر الفقهاء فى كتبنا أن رسول الله  ناداه وهو فى الصلاة بالإسكندرية فقال بصوت عالى نعم يا سيدى يا رسول الله ، وأفتى علماء الثغر بصحة صلاته ، ذكر ذلك العلامة الصفتى فى حاشيته على ابن تركى من مذهب إمامنا مالك وأورد لغزا فى ذلك :
    يا فقيها شخص تكلم عمدا
    فى صلاة ولم يكن إصلاحا
    لصلاة وبعد هذا فقلت
    تلك صحبة وحاز هذا نجاح

    وأجبت بقوله :
    هو مرسى ثغرنا إذ دعاه
    خير رسل الإله فيها فصاحا

    وقد ذكر الإمام الشيخ عليش فى الفتاوى أن جلال السيوطى طلب منه بعض الناس أن يذهب إلى القلعة ليستعطف له الوالى فقال : " إنى قابلت رسول الله  يقظة خمسة وسبعين مرة ولا أزال أقابله لتصحيح الأحاديث ولو أنى طلعت إلى الوالى بالقلعة لاحتجبت عني رسول الله  وتصحيح الأحاديث حاجة الأمة ، وحاجة الأمة مقدمة على حاجتك أ.هـ .
    وقد تواترت الأخبار عن أصفاء الأمة بذلك فمن كذب ذلك فقد أساء الظن بأصفياء الأمة ولزمه أن ينكر حديث الإسراء وهو فى الصحيحين أو يذهب إلى أن ذلك مناما ويمرق إلى طريق الزنادقة ممن يلعبون بالدين ، وقد عرفت أن هذا من طريق الأرواح وهى ملكوتية وأن الإنسان إذا غلبت روحانيته بشريته فقد دخل عالم الملكوت يقظة وهنالك يرى الملائكة والجن والأصفياء من أنبياء وأولياء على حسب استعداده الروحى وهذه مسألة ردها إنكارا للمحسوس والمعقول ، وأن الكافرين قد وصلوا فى رياضة نفوسهم إلى اختراق الغيب الشيطانى والناس يعرفون ما يفعل الهنود اليوم ، وما كان يظن لمسلم له قلب مشرق بنور الإيمان أن يرد أمرا أجمعت عليه الأمة قديما وحديثا وشهدت له السنة والكتاب وتناقلت قائمة وقائعه الأصفياء وتزينت بها صحائف الأخيار ، وكان من وجه الإيمان الذى يفرض علينا الإيمان بالغيب أن نقف أمام هذه النصوص مسلمين إن لم يهتد إلى السنة ولا كتاب حيث فى هى نقول الأئمة العدول .
    فكيف وفى السنة من الصحيح الكثير باتفاق كلمة علماؤنا على أن ما كان معجزة لنبى جاز أن يكون كرامة لولى بشرط عدم التحدى ، والله يقص علينا فى كتابه من عيسى  : " أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأبْرَصَ وَأُحْيِي المَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (49) " (سورة آل عمران) .
    فقد حكى الله عنه أنه قال ذلك لقومه ، وكان يحلق من الطير طيرا فيبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى ويخبر بالغيوب كل ذلك بإذن الله وكان ذلك منه شائعا ذائعا كما هو معلوم عند النصارى واليهود وأهل التاريخ وصدع به القرآن ولم يقل أحد أن عيسى  إلها إلا غلاة النصارى ، وقد قال كما حكى الله عنه : " إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِياًّ (30) " (سورة مريم) . فهو عبد يخلق طيرا ويبرئ ويحيى الموتى ويخبر عن الغيب بالله وكذلك يقول الله فى حق موسى  : " وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي البَحْرِ يَبَساً" (سورة طه) وهل يعقل أحد أن عبدا من البشر يقدر على أن يضرب طريقا فى البحر الأحمر بضرب العصاة ؟ وأى عصا هذه وأى عبد هذا الذى يضرب بعصاه البحر فينفلق اثنا عشر طريقا ؟ إن هذا فوق طور العقول ، وكيف يسلم العقل هذا ويذعن ومعلوم أن موسى وعيسى ونحوهما عليهما السلام أنبياء . فقد يقف المحروم عند ذلك ويقول : " إن ما وقع منهم معجزات فقط ولا يدرى وراء ذلك شيئا ونسى أنها فعل عبد محبوب أذن له ربه ،والعلماء متفقون على أن للأولياء مثل ذلك من الخوارق التى تتعدى العقول ، والله صرح فى كتابه بمعيته لهم ومعونته ؛ ورسول الله صلى الله عليه وسلم شرح تلك المعيه للولى بما رواه البخارى من قوله صلى الله عليه وسلم عن ربه : " ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها ولئن سألنى لأعطينه ولئن أستعاذنى لأعيذنه " الحديث وهذا لم ينازع فيه من قبل إلا شقى كما هو معلوم ولكن لله خلق اصطفاهم لتصديقه مفطورن عليه حتى فيما وراء العقول وبذلك وصفهم بالتقوى فقال جل من قائل :" ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ " (سورة البقرة) فهؤلاء عباده الذين هم على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ، ومعلوم أن الولى ما نال الكرامة التى ظهرت على يده إلا بمتابعة نبيه فهى معجزة لذلك النبى ، بينما هى كرامة لهذا الولى وهذا محل اتفاق ، وماذا يصنع مانع الكرامات فيما قص الله عن مريم عليها السلام حين وجد عندها زكريا  رزق الشتاء فى الصيف وبالعكس ما إغلاقه عليها سبعة أبواب ، وحين قال الله لها : " وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ " (سورة مريم) وكان يابسا " تساقط عليك رطبا جنيا " ، وحديث جريج وقد خرجه البخارى فى الصحيح ، وقد نطق الطفل ببرائته وكان وليد اليوم إذ طعنه بأصبعه فى بطنه وقال : من أبوك يا غلام ؟ قال أبى فلان الراعى ، بل وطفل ماشطة بنت فرعون فى البخارى أيضا وغيره وآصف بن برخيا وقد جاء بعرش بلقيس من اليمن إلى الشام قبل أن يرد سليمان  طرفه بنص القرآن ، وقال جمهور من المفسرين أنه رجل من البشر وكان وزير سليمان ، وقد حكى الله عنه فى سورة النمل أنه قال : " أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك " وكم خرج أبو نعيم فى حلية الأولياء للصحابة والتابعين من كرامات وفى الصحيحين منها ما يكفى المسترشد ، وهل بعد أن قال الله فى كتابه وما فى الصحيحين حاجة لمؤمن ، اللهم إن المعاند فى هذا السبيل مارق خارج عن جماعة المسلمين ، وإذا ظهر لك وبان لعينيك أن الله يكرم من شاء بما شاء ، ولهم ما يشاؤن عند ربهم ، والله خلقكم وما تعلمون أصبح غير بعيد أن يكشف الحجاب عن عين وليه الفانى فى رسوله  ويجعل ذاته  ماثلة أمام هذا الولى ولو على الدوام على حسب درجة فنائه فى الذات المحمدية على طريق الكرامة إذ قد يكون ذلك لطفا به لشدة وجده وشوقه ، والقدرة صالحة لكل ممكن وهذا منه : اللهم إلا إن كان العبد لا يصدق بقدرته تعالى وتمامها ، ثم بعد لا علينا من علمه فإن علماء اليهنود قد ألبسوا الحق بالباطل وكتموا الحق وهم يعلمون ، وليس بممنوع أن ينال بعض العلماء الأشقياء نصيبه من علماء اليهود ليأتى ما وعد به  بقوله : " لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبرا وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه " الحديث . كما سبق ولقد جنى هؤلاء على الدين فكذبوا الأئمة وردوا آراءهم التى هى شرح كتاب الله وسنة رسوله  والتى أخذوها صافة من هذا المعين والتى قاهر بها عن هذا الضرر فأصبحت دين الله من عدل عنه فقد ضل سواء السبيل بإجماع الأمة المعصومة ، وفى الحديث : " إن الله تعالى أجاركم من ثلاث خلال أن لا يدعوا عليكم نبيكم فتهلكوا جميعا ، وأن لا يظهر أهل الباطل على هل الحق ، وأن لا تجتمعوا على ضلالة " رواه أبو داود عن أبى مالك الأشعرى بإسناد حسن فلزوم الجماعة وإتباع سبيل المؤمنين هو الخير كله للأمة ، نسأل الله العافية .
    [/size]

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أكتوبر 16, 2018 3:21 am